القرطبي
240
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أثرهم وهلكوا . والقرض ههنا : اسم ، ولولاه لقال [ ههنا ( 1 ) ] إقراضا . واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هي تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، والله هو الغنى الحميد ، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء ، حسب ما يأتي بيانه في " براءة ( 2 ) " إن شاء الله تعالى . وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم ، وفى سبيل الله بنصرة الدين . وكنى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة ، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام . ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى : " يا بن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني " قال يا رب كيف سقيك وأنت رب العالمين ! ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " . وكذا فيما قبل ، أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به . الرابعة - يجب على المستقرض رد القرض ، لان الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء . وفى الخبر : " النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر " على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل " الآية ( 3 ) . وقال ههنا : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) وهذا لا نهاية له ولا حد . الخامسة - ثواب القرض عظيم ، لان فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه . خرج ابن ماجة في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت ليلة اسرى بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لان السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة " . قال حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن يسير
--> ( 1 ) الزيادة من ز ، وفى ه لقالوا إقراضا . ( 2 ) راجع ج 8 ص 266 . ( 3 ) راجع ص 302 من هذا الجزء .